ابن قيم الجوزية

234

الروح

منكرة جدا مرفوعة وموقوفة ، وأبو جعفر الرازي وثق وضعف ، وقال علي بن المديني : كان ثقة ، وقال أيضا : كان يخلط ، وقال ابن معين : هو ثقة ، وقال أيضا : يكتب حديثه إلا أنه يخطئ ، وقال الإمام أحمد : ليس بقوي في الحديث ، وقال أيضا : صالح الحديث ، وقال الفلاس : سيئ الحفظ ، وقال أبو زرعة : يهم كثيرا ، وقال ابن حيان : ينفرد بالمناكير عن المشاهير . قلت : ومما ينكر هذا الحديث قوله : فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق ، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، فدخل في فيها . ومعلوم أن الروح الذي أرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك الروح [ الذي ] « 1 » نفخ فيها فحملت بالمسيح قال تعالى : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا « 2 » فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعا ، وفي بعض طرق حديث أبي جعفر هذا أن روح المسيح هو الذي خاطبها وهو الذي أرسل إليها . وهاهنا أربع مقامات : - أحدها : أن اللّه سبحانه وتعالى استخرج صورهم وأمثالهم فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم ومبتلاهم . - والثاني : أن اللّه سبحانه أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد عليهم ملائكته . - الثالث : أن هذا هو تفسير قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 3 » . - الرابع : أنه أقر تلك الأرواح كلها بعد إخراجها بمكان وفرغ من خلقها ، وإنما يتجدد كل وقت إرسال جملة منها بعد جملة إلى أبدانها . فأما المقام الأول فالآثار متظاهرة به مرفوعة وموقوفة .

--> ( 1 ) زيادة على المطبوع لوضوح العبارة . ( 2 ) سورة مريم ، الآية 17 - 19 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 172 .